أصبح لكل مذهب رجاله ومؤرخيه حيث الى اين ما مال هذا الفقيه والمؤرخ والرواه سياسيا واجتماعيا؟ مالت معهم كل آراؤه العقائدية والفقهية وكتب الحديث والعقائد، فكان تراثنا المتداول اليوم بهذه الطريقة، رافقه سمة التقديس باعتباره دين منزهه عن الخطأ فانتج لنا جملة من الاشكاليات على كل الصعد الاجتماعية والسياسية، واثر سلبا على مستوى تقدم بلدان العالم العربي والاسلامي على المستوى الحضاري ونشوب الصراع الطائفي والمذهبي والايديولوجي الى حد اكتساح الارهاب للشباب المسلم في العقود الاخيرة من هذا القرن، فالعالم العربي والاسلامي يضج بالأيديولوجيات الفقهية والعقائدية المذهبية التي وضعت في تلك الحقب التاريخية(الاموي والعباسي ــ السلجوقي) التي غلب عليها التصارع السياسي، والقبض على السلطة، وتسخير كل الجهود الفقهية والعقائدية من اجل ذلك عبر مصادر ومدونات(فقهية وعقائدية) ما يعرف بعلم الاجتماع السياسي بوعاظ السلاطين او فقهاء السلطة.
عموما اتخذ الصراع الحقاني في ما بين المذاهب السنية ابتداءاً مراحل متعددة: اولها مرحلة الصراع الجزئي ما بين المذهب الاربعة المتسيدة(الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) بعد ان كانت المذاهب والمدارس تصل الى ثلاثة عشر مذهباً أفلت من الوجود المذهبي بمؤثرات سياسية واجتماعية آنذاك. والمؤثرات السياسية نفسها هي من نمّت المذاهب الفقهية مذهب بعد مذهب حيث ما ان يتفاقم الصراع بين اقطاب السلطة من العالم العربي والاسلامي ينحى الحاكم آنذاك الى تأسيس مذهب فقهي جديد للإعانة الشرعية والشعبية لمواجهة الخصوم.
فبإثناء ما سمي بفترة الانتعاش الفقهي من نصف القرن الثاني الى القرن الرابع هجري على حد وصف الكاتب وائل حلاق. نشأ الفقه واصوله، وعلم الكلام، وسرعان ما تفرع عنه المذهب الحنفي ثم منه المذهب المالكي ثم بعد الشافعي، تحولت الحركات الدينية اكثر فاكثر الى معارضة العقلانية، ويظهر من خلال دور مذهب الامام احمد بن حنبل(241ه/855م) والشيخ داود بن خلف الظاهري(270ه/883م) اللذين سيطرا على الساحة الفقهية لمعظم القرن الثالث هجري، فظهر التحول الملحوظ نحو الحديث(). وتماثلا هذان المذهبان للصراع بعد نشأتهما وتبادلا التكفير، واخراج احداهما من المذهب السني بل من الدين الاسلامي()، وفي هذا السياق قال: القاضي محمد بن موسى الحنفي، وهو حنفي المذهب وقاضي دمشق آنذاك:"لو كان لي من الامر شيئا لأخذت على الشافعية الجزية" وقال الشيخ ابو حامد الطوسي"ولو كان لي امر لوضعت على الحنابلة الجزية" وفي المضمون ذاته قال الفقيه ابو حاتم الحنبلي:"من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم" وعكسه قال الشيخ ابو بكر الموقري الواعظ في جوامع بغداد بتكفير الحنابلة اجمع.