أَمن الممكن، انطلاقاً، الحديثُ عن المقامة باعتبارها نوعاً ذا سِمَات ثابتة؟ ما أبعد هذا عن اليقين. فالمقامة، شأنها في ذلك شأن القصيدة، قد غَزَتْ البلدان كلَّها التي تَبَنَّت العربية، واستمرَّت في الوجود حتَّى بداية القرن العشرين. ولأن التقليد هو، بشكل ما، خيانة، فإن سِمَات الأصل قد تغيَّرت على مرِّ الزمن إلى حدِّ مصادفة مُؤلَّفات لم تكن لتُعتبر أبداً مقامات لو لم يُلصِق بها مُؤلِّفها أو أيُّ صاحب ترجمة هذه التسمية ... المقامة حكايةٌ. تبدأ المصاعب حين يتعلَّق الأمر بموقعتها إزاء الأنماط الأخرى للحكاية التي عرفتْها الثقافة العربية، وحين يتعلَّق الأمر بدراسة العناصر السردية المُكوِّنة لها، وعِلَّة تتالي هذه العناصر تَبْعَاً لنظام ثابت، أو يكاد يكون ثابتاً، وحين يتعلَّق الأمر بمُساءلة الدَّلَالَة، لا الأدبية فحسب، بل كذلك الدَّلَالَة السوسيولوجية لهذا النظام، وحين يتعلَّق الأمر، إجمالاً، بالكشف عن الأنساق الثقافية التي تقع في الأساس منها والتي تمنحها مظهرها الذي ظهرت به دون غيره من المظاهر. نعني بالنسق الثقافي بكلِّ بساطة مُواضَعةٌ (اجتماعية، دينية، أخلاقية، استيتيقية ...) تفرضها، في لحظة مُعيَّنة من تطوُّرها، الوضعية الاجتماعية، والتي يقبلها ضمنياً المُؤلِّف وجمهوره.
Share message here, إقرأ المزيد
المقامات، السرد والأنساق الثقافية