تؤدي الشركات التجارية والمصرفـية دوراً حيوياً فـي المجتمعات الحديثة حيث تساهم فـي التنمية الاقتصادية، وتخلق فرص العمل، وتعزز بيئة الاستثمار، وتدعم الاستقرار الاجتماعي. وهي من أكثر الكيانات القانونية التي تعتمد عليها الدول لتنشيط اقتصاداتها والنهوض بها. وقد أحاطها المشرع فـي لبنان بالعديد من الأحكام والقواعد التنظيمية الملزمة بهدف تنظيم آليات عملها، وإقامة التوازن بين حقوقها والتزاماتها.
ولكنَّ الفساد الإداري والمالي وسوء التسيير فـي هذه المؤسسات، وضعف الرقابة عليها، أدى إلى ازدیاد حالات الخروج على القواعد الجزائية الواردة إما فـي قانون العقوبات أو فـي القوانين الخاصة. إزاء هذه المخاطر، بادر المشرع اللبناني إلى سن تشريعات جديدة، وإدخال تعديلات على بعضها كقانوني التجارة والسرية المصرفـية من أجل إرساء ضوابط وقواعد زجرية جديدة، يُفترض من خلالها تأمين حماية المصالح الحيوية للدولة والمجتمع، وتحقيق مبادئ الردع تحت طائلة العقوبات الجزائية.
إن تكريس المسؤولية الجزائية، فـي ما يتعلق بالأعمال التجارية، يُعد أحد أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويشكل عاملاً رئيساً فـي مواجهة الجرائم المرتكبة من قبل القائمين عليها سواء الواقعة على النظام الاقتصادي العام، أم تلك الواقعة على الأشخاص والأموال، كالجرائم الناشئة عن مخالفة القوانين المصرفـية والبورصة، أو تلك الناجمة عن أعمال الشركات المساهمة والمتعددة الجنسيات (جرائم الاحتكار ، إفشاء الأسرار، التهرب الضريبي، توزيع أرباح صورية...). وهذه الدراسة تسلّط الضوء على جرائم تلك الأعمال والمخالفات، وما يترتب عليها من مسؤولية جزائية.