يثير هذا الكتاب مسألة هندسة السلوك الاجتماعي بما تستدعيه من وضع القوانين تنظيمًا لما هو كائن واستشرافًا لما قد يكون. وفـي واقع لا يكفّ عن التغير تستوجب مهمة صناعة التشريعات ككائنات حية إلمامًا بالعلم فـي أبعاده المركّبة والتعددية. فمن الإمساك باللغات وعلومها إلى معرفة كل حقول المعرفة الواسعة: ثقافة القانون، التصورات السياسية، المعارف الاقتصادية، القيم فـي نسبيتها وفـي كونيتها وتطورات الواقع المزدحم...
لكن... إذا ولد النصّ التشريعي من سلطة مختصة فـي الدولة... هل يكفـي ذلك للقول بصلابته ونجاحه كمصدر رسمي أمام مصادر للقانون غير شكلية آخذةً فـي الازدياد والتأثير؟ هذا ما يجيب عنه الكتاب فـي طيّاته... يتعيّن على النصّ التشريعي أن يظفر بالقبول الحسن بما يفرضه من رضا المتلقي بالفعل التشريعي، فضلًا على رضا الدستور. ففـي ذلك ما يضمن عقلانية التشريع و جدواه... إذًا لم يعد مطلبًا أن تحوز التشريعات على الجودة الشكلية المرجوّة، فذلك أمر مُسَلَّم بحصوله، لكن يتعين زيادة حيازة جودتها كيفًا ونوعية... وفـي غياب ما ذكر تكون القوانين فـي حالة توتّر قد تجلب فشلًا لا حدود له... وهو ما يستدعي حوكمة تشريعية.