صخرة الإيمان : الإله والتصميم
توفر الكتاب: متوفر
يشحن في غضون:
المصدر: لبنان
$24.00
الكمية
أضف إلى قائمة الأمنيات
نبذة

تتنازع الأفكار كما يتنازع البشر، وتفرض بعضها الهيمنة على البعض الآخر، حتى تغدو إزاحة الفكرة السائدة واستبدالها بغيرها من أعسر المهام. وهو حال يعمّ شتى مجالات الفكر والعلوم البشرية، سواء كانت دينية أو فلسفية أو علمية أو اجتماعية أو غيرها.

الساعة الكونية بين نيوتن ولايبنتز:

لقد جاءت أطروحة نيوتن على الضد من فلسفة لايبنتز الذي اعتمد على "مبدأ الأفضلية" وما يستند إليه من قانون الاستمرارية law of continuity.

ويعني المبدأ المشار إليه ان الله قد اختار عالمنا باعتباره أفضل العوالم الممكنة تبعاً لمبدأ السبب الكافي. إذ لا يمكن ان يختار شيئاً ما لم يتعين سبب كاف لهذا الاختيار، وهو ما يفي به مبدأ الأفضلية.

ويختلف مبدأ الأفضلية عن القاعدة الأرسطية (ليس في الإمكان أبدع مما كان)، إذ تتضمن هذه القاعدة ثبوت حتمية صارمة تحكم الوجود بكافة أبعاده ومراتبه من دون استثناء. وهي فكرة لا يتقبلها لايبنتز لإيمانه بقدرة الله وارادته الحقيقيتين، لذلك عوّل على مبدأ الأفضلية من حيث الكمال.

وقبل لايبنتز ذهب المشهور من معتزلة بغداد وبعض الإمامية الاثنى عشرية إلى القول بهذا المذهب تحت عنوان "قاعدة الأصلحية". وكان مبررهم في ذلك هو أن الله لو لم يفعل الأصلح لكان بخيلاً ما دام يملك القدرة التامة مع وجود الداعي وانتفاء الصارف.

وقد خطا الإمام الغزالي، كما في (إحياء علوم الدين)، على شاكلة هذا الاتجاه من حيث التبرير، وأقرّ بالقول: ليس في الإمكان أصلاً أحسن من هذا العالم ولا أتم ولا أكمل منه. وهو قول يناظر القاعدة الأرسطية: (ليس في الإمكان أبدع مما كان)، لكنه لا يحمل المعنى الحتمي الذي تحمله هذه القاعدة.

 

لنعد إلى مبدأ الأفضلية من وجهة نظر لايبنتز، فهي لا تتحقق ما لم يتم التسليم بقانون الاستمرارية، وهو القانون الذي اعتمده في الرياضيات وطبقه على عالم الميتافيزيقا. ويعني انه لا شيء يحدث فجأة البتة.

بمعنى ان الطبيعة تتميز بالانتظام، ولا تعمل بالقفزات ولا التوقفات. فالتغيرات والتطورات الحاصلة تتسم على الدوام بالتدرجية، وان هناك وسائط لهذه التغيرات والتطورات لا تعد ولا تحصى من دون ان نراها ونلاحظها.

هكذا يصل لايبنتز إلى ان الكون قد تمّ انشاؤه بطريقة يستغني فيها الإله عن التدخلات المباشرة. فكل تدخل يعتبر فعلاً خارقاً، أو اعجازاً، لا يتناسب مع قانون الاستمرارية، ومن ثم لا يحقق مبدأ الأفضلية في النمذجة الفيزيائية.

فهذه هي النقطة المركزية التي اعترض فيها على نيوتن في التدخلات الإلهية، باعتبارها تتنافى مع قانون الاستمرارية، ومن ثم مع مبدأ الأفضلية. وهو المبدأ الذي عرّضه فولتير للنقد والسخرية في روايته (كانديد).

ويعد "قانون الاستمرارية" ذا أهمية بالغة بالنسبة للفلسفة التي بنى عليها داروين نظريته. لذلك أشار إلى نقد لايبنتز لنيوتن خلال عرض فكرته عن التطور في (أصل الأنواع).

ومن وجهة نظر لايبنتز، ان جميع ما في العالم يتألف من جواهر روحية غير متناهية وصغيرة جداً لا تقبل الانقسام، وهي الأساس الذي تُبنى عليه مختلف المظاهر الكونية والحياتية، ويُطلق على كل منها "الموناد Monad". وتتصف بأنها منعزلة ومتمايزة عن بعضها البعض كتمايز أفراد البشر، وكل منها تمثل مرآة العالم ككل من زاويتها الخاصة. وهي مع ذلك تخلو من التفاعل والتأثير السببي. ومثلما ان لكل منها مادة من حيث الظاهر، فإن لها نفساً وروحاً من حيث الباطن، كما هو حال البشر، وهما متناغمان من دون ان يؤثر أحدهما على الآخر. فلكل منهما قانونه الخاص المغاير للآخر وبقية المونادات.

هكذا خلق الله العالم وفقاً لعلاقات تنظيمية متبادلة، يتناغم فيها الجانبان النفسي والمادي دون أن تربطهما علاقات سببية، إذ تعمل الأجساد كما لو لم تكن هناك أرواح، كما تعمل الأرواح كما لو لم تكن ثمة أجساد. ومع ذلك فكلها تتصرف بتناغم وانسجام بفعل وجود سبب مشترك يجعلها متجهة نحو المزيد من الانسجام والتناغم، ومن ثم الحفاظ على النظام.

إن لفكرة "الانسجام" مكانة هامة على الصعيد الغائي لدى نظرية لايبنتز، وهي لا تدور حول مركزية الإنسان. فلايبنتز لا ينحاز إلى هذا المعنى من الغرضية، وقد احتج على ذلك بأننا نجد في العالم أشياء لا تُرضينا ونتوقعها ونعرف انها لم تُصنع لنا وحدنا. ورأى ان العلم الميكانيكي الذي يدافع عنه نيوتن لم يترك للغرض المركزي أثر أو مجال. ومن وجهة نظره، انه لا يمكن ان يكون مثل هذا الغرض واضحاً إلا من خلال دمج المبادئ الهندسية المثالية في الفيزياء. لهذا جادل بأنه على الرغم من وجود عوالم محتملة كثيرة تتصف بالمنطقية والاتساق ذاتياً، لكن وفقاً لمبدأ السبب الكافي كان الاختيار من نصيب هذا الكون لامتلاكه خصائص الأفضلية مقارنة ببقية العوالم الممكنة.

هذه هي أطروحة لايبنتز ونقده لنظرية نيوتن في التدخلات الإلهية، وقد انبرى للدفاع عن هذه النظرية صديق نيوتن الفيلسوف اللاهوتي صموئيل كلارك Samuel Clarke في مراسلاته الحوارية الشهيرة مع لايبنتز؛ والتي طالت مدة سنة حتى وفاة الأخير عام 1716.

تفاصيل الإصدار
دار النشر دار أبكالو للنشر والتوزيع
سنة النشر
الترقيم الدولي 9789922717081
اللغة عربي
عدد الصفحات 405
عدد الأجزاء 1
الغلاف ورقي
القياس 17x24 cm
توفر الكتاب: متوفر
يشحن في غضون:
المصدر: لبنان
$24.00
الكمية
أضف إلى قائمة الأمنيات

التقييم والمراجعات