تُعدُّ نظريّة التدخّل في الجريمة (La théorie de la complicité) والتي تندرج ضمن نطاق نظريّة الاشتراك أو الإسهام الجرميّ، واحدة من أكثر الموضوعات الشّائكة في قانون العقوبات. ويعدُّ من قبيل التدخّل الجرميّ الأفعال التي لا ترقى بأصحابها إلى مرتبة الفاعلين الأصليين، أي لا تنطوي على نشاط تنفيذيّ أو رئيسيّ في الجريمة، وإنّما تؤدي دورًا ثانويًّا وغير مباشر في اقترافها. ويمكنُ ردّ أبرز الإشكالات التي تثيرها نظريّة التدخّل إلى صعوبة وضع معيار للتّمييز بين الشّريك من جهة، والمتدخّل من جهة أخرى. وترتبط هذه الصعوبة بإشكالية إضافية أكثر تعقيدًا تثيرها فكرة «المساعدة الضروريّة» كصورة مشدّدة للتدخّل وفقًا للقانون اللبنانيّ، بحيث تَفرض التّمييز بين الشّريك الذي يقوم بدور رئيسيّ في مسرح الجريمة وبين المتدخّل الضروريّ الذي لولا مساعدته ما ارتكبت الجريمة.
ويتفرّع عن هذه الإشكاليّة عدَّة تساؤلات مازالت محلّ انقسام فقهيّ وتشريعيّ وقضائيّ، منها: نطاق التدخّل الجرميّ ومدى شموله الجرائم غير المقصودة، مدى تحقّق نشاط التدخّل بالامتناع، التدخّل غير المباشر (أو الفرعي)، أساس مسؤوليّة المتدخّل ومدى تأثره بظروف الجريمة بالإضافة إلى مسؤوليته عن الجريمة المحتملة.
وقد ارتكزت الدراسة للإجابة على هذه الإشكاليّة وما يتفرع عنها، على الجانب التحليليّ – التطبيقي لقواعد التدخّل في القانون اللبنانيّ، فجاءت حلولها من وحي الواقع كما ألفته ساحات القضاء في لبنان، وأحيانًا كثيرة في الخارج. ومن أجل ذلك، اعتمدت الدراسة منهجيّة علميّة شاملة تقوم على اتّباع المنهج المقارن من خلال البحث في التّشريعات الجزائية: العربية، اللاتينية والأنغلوسكسونية، في محاولة متواضعة وسبّاقة لتفهّم هذه التّشريعات الأخيرة وأسلوب الحكم فيها.
وعليه، قسّمت الدراسة إلى قسمين: تضمن الأول المبادئ الأساسية للتدخّل في الجريمة؛ فتناولنا فيه ماهيّة التدخّل الجرمي في فصل أول، وأركانه القانونية في فصل ثانٍ. وخصِّّص القسم الثاني لدراسة القواعد الخاصة للتدخّل في الجريمة؛ فعالجنا فيه وسائل التدخّل الجرمي في فصل أول، ومسؤوليّة المتدخّل الجزائيّة في فصل ثانٍ.