من المثير للشّفقة أن تجد عالـِمًا بارعًا لكنّه غير مُستنير، ومُتفلسفًا يُتقِن جملة كبيرة من المفاهيم الفلسفيّة لكنّه لا يملك أن يتفلسف. كيف يتسنّى لهذا العالِم أن يتبنّى آراء لا أسانيد علميّة لها، أو لذاك المتفلسف أن يتّخذ خيارات تتنافى وقواعد المنطق السّليم؟ والحال أنّ الرّعاعيّة صفة نؤثر أن نطلقها على كلّ من تتناقض آراؤه وخياراته وأحكامه مع الموضوعيّة وما تتطلّبه من تجرُّد وحياديّة، والعلميّة وما تتطلّبه من منهجيّة صارمة لا تقبل ما يتناقض مع مبادئ الفهم القويم، والتّفلسف وما يتطلّبه من سُلطة نقديّة فاحصة لا تكتفي بمساءلة الخطاب بمندرجاته المباشرة، بل لا تُعتِّم أن تبحث عن المسكوت عنه بين ثناياه، فتفضّ حجبه وتفضح مكنوناته. وهنا نتساءل: كم من عالِمٍ ينقاد بصورة عمياء إلى آراء يُمليها عليه الآخرون من دون أن يتفحّصها؟ وكم من مُتفلسِفٍ يتبنّى خيارات سيّاسيّة، وشعارات إيديولوجيّة تتناقض مع دعوته الصّريحة إلى فضح البداهات ونقض المسلّمات؟ وهل العقل الإيديولوجيّ، في نهاية المطاف، سوى عقل رعاعيّ؟ يُمكن أن نفهم اكتظاظ قاعات الاحتفالات أو غرق الشّوارع إبّان احتفالات بعينها بحشود تُردِّد تلقائيًّا جملة شعارات ترسّخت في وعيها وفي لاوعيه. لكن أنّى لنا أن نفهم حضور علماء وأطبّاء ومتفلسفين وشعراء مثل تلك الاحتفالات، وترديدهم تلك الشّعارات؟
Share message here, إقرأ المزيد
نقد العقل الرعاعي