هو رحلة زمانية، ومكانية، وفكرية؛ فيه يأخذ المؤلف بيد القارئ إلى بقعة مقدسة عزيزة على قلب كل عربي ومسلم؛ إلى مهد الإسلام: الحجاز، في عصرٍ قلّت عنه البحوث العلمية، وزهد فيه الباحثون، وذلك، ربما، لتصوّر مسبَق عن "انحطاط" ذلك العصر علميًّا وفكريًّا. وهو تصوّر روّجه اتجاه أكاديمي استشراقي، وتيار ديني وهّابي. لكن المؤلف، بمنهج استقرائيٍّ وأسلوبٍ مقنع، يبدّد تلك التصورات المسبقة، ويثبت أن الحجاز كان العاصمة العلمية والفكرية الأولى في العالم العربي والإسلامي، حيث تنتشر المدارس والزوايا والتكايا والرُّبط والمكتبات، وكانت كلها معاهد علمية تخرّج العلماء، في بيئة تتعدد فيها الآراء والمذاهب والأفكار، ويلتقي فيها العلماء ويتبادلون العلوم، ولا سيّما في موسم الحج.
ولهذا كان أثر الحجاز حاضرًا في الحركات الإصلاحية في ذلك العهد وما تلاه.
وقد اختار المؤلف شخصية علمية كبرى تمثل الحياة الفكرية في ذلك الزمان والمكان: إبراهيم بن حسن الكوراني، وهو عالم مبرِّز بلغ الغاية في العلوم العقلية والنقلية في وعاءٍ صوفيٍّ على منهج محيي الدين بن العربي. وفي آثار الكوراني وفكره يطوف المؤلف بالقارئ، فيقفه على القضايا والمسائل العلمية التي كان يثور حولها النقاش في ذلك العصر وتلك البقاع، في توليفةٍ تجمع الحديث الشريف إلى المنطق إلى الفلسفة إلى علم الكلام.
Share message here, إقرأ المزيد
الحياة الفكرية في الحجاز قبل الوهابية